نخبة من الأكاديميين

525

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الظاهرة ، هي أنّ حركة الترجمة هذه ترافقت مع توحيد وتعريب وأسلمة الامبراطوريّة المسلمة وأجهزتها الإداريّة . 3 . النقل العالِم : أسطورة وحقائق . مهما يكن من أمر ، فإنّ الطريق الثاني مهَّده ، رسميّاً إذا جاز التعبير ، وإذا سلّمنا برواية - أسطورة ، حُلمٌ للخليفة الكبير ، المأمون . بحسب هذه الأسطورة ، تحادث الخليفة في المنام مع أرسطو ؛ وكتب النديم ، وهو من مؤلِّفي كتب الطبقات القدامى ، بعد سرده لهذه الرواية : " فكان هذا المنام من أوكد الأسباب في إخراج الكتب ( إلى العربيّة ) . فإنّ المأمون كان بينه وبين ملك الروم مراسلات وقد استظهر عليه المأمون . فكتب إلى ملك الروم يسئله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة المدّخرة في ببلد الروم . فأجاب إلى ذلك بعد امتناع . فأخرج المأمون لذلك جماعة ، منهم الحجاج بن مطر وابن البطريق ، وسلما صاحب بيت الحكمة وغيرهم . فأخذوا ممّا وجدوا ما اختاروا . فلمّا حملوه إليه ( إلى المأمون ) ، أمرهم بنقله ، فنُقِل . وقد قيل أنّ يوحنّا بن ماسويه ممّن نفذ إلى بلاد الروم " « 1 » . ويذكّر النديم من ثمَّ ، أنّ كثيرين اتّبعوا هذا الأنموذج الامبراطوري . فقد بعث بنو موسى ، وهم من المحسوبين على المأمون ، المترجِمَ الشهير حنين بن إسحاق ( المتوفّى عام 877 ) إلى " بلاد الروم " التي عاد منها " بطرائف الكتب وغرائب المصنّفات في الفلسفة والهندسة والموسيقى والأرثماطيقي والطب " « 2 » . ويبدو ، حسب رواية أخرى ، أنّ أحد أبناء موسى ، الأكبر ، وهو محمّد ( المتوفّى عام 873 م ) ، كان في عداد إحدى البعثات إلى الإمبراطوريّة البيزنطيّة « 3 » . ولقد أتت عدّة مصادر تاريخيّة أخرى على ذكر بعثات أُرسِلت إلى بيزنطية وإلى الإسكندريّة وإلى الأديرة داخل العالم الهيللينستي سابقاً ، بحثاً عن مخطوطات يونانيّة في العلم وفي الفلسفة ، طوال القرن التاسع وحتى بعد ذلك القرن . يعبِّر منامُ المأمون ، وإن كان نوعاً من الخرافة ، عن تنبّه المؤرّخين ومؤلِّفي كُتُب الطبقات للزمن الذي اختلفت فيه حركة الترجمة ، نوعيّاً ، عن حركة ترجمة أخرى سبقتها . وهذا الفرق النوعي هو ما يجب أن نعيه . أ . تجدّد البحث ( الترجمة في مرحلتها الأولى ) . لم يجهل المؤرّخون القُدامى أنّ حركة الترجمة سبقت عهد المأمون ( 813 - 833 م ) . وإذا أردنا أن نكون أكثر دقّة ، يمكننا أن نميّز فترتين من مرحلة أولى ، سابقة لهذا العهد . فبحسب روايات متفرّقة نَقَلَها مؤلِّفو كُتُب الطبقات ، تمّ استخدامُ بعض المترجمين ، في العهد الأمويّ . من هذه الروايات أنّ خالد بن يزيد ( المتوفّى بعد العام 704 م ) ، حفيد مؤسّس الحكم الأمويّ ، طلب من المدعو استيفانس أن يترجم من القبطيّة واليونانيّة كتباً في الخيمياء . يعلّق النديم على هذه الشهادة بالقول إنّ " هذا أوّل نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة " « 4 » . وقد تعرّضت هذه الشهادة مؤخّراً للنقد « 5 » ، لكنّ ذلك لا يحجب فضلَها في

--> ( 1 ) النديم : " الفهرست " ، ص . 303 - 304 . ( 2 ) المرجع نفسه . ( 3 ) ابن خالّيكان : " وفيات الأعيان " ، تحقيق إحسان عبّاس ، 8 مجلّدات ( بيروت ، 1978 ) ، المجلّد الأوّل ، ص . 313 . ( 4 ) النديم : " الفهرست " ، ص . 303 . أنظر أيضاً ص . 419 . ( 5 ) م . أولّمن ، M . Ullman , " H ع lid ibn Yaz گ d und die Alchemie . Eine Legende " , Der Islam , 55 ( 1978 ) , pp . 181 - 218 .